أحمد بن محمود السيواسي
299
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
في الرسالة ثلاث سنين ، ثم رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة « 1 » ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ ) أي الحط بالقلم ( وَالْحِكْمَةَ ) أي الفقه والمعرفة ( وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) للحكم بهما بين الناس ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) مفعول « تَخْلُقُ » ، أي هيئة مثل هيئته ( بِإِذْنِي ) أي بارادتي وتيسيري ( فَتَنْفُخُ فِيها ) والهاء ترجع إلى الكاف في « كَهَيْئَةِ » ، أي هيئة مثل هيئة الطير ، ولا ترجع إلى ال « هيئة » المضاف إليها ، لأنها ليست من خلق عيسى ولا من نفخة بشئ « 2 » ( فَتَكُونُ ) أي تلك الهيئة ( طَيْراً ) بلا ألف وطائرا بالألف ( بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ) أي تشفيه « 3 » ، عطف على « إذ تخلق » ( وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي ) أي تحييهم بالدعاء مع استجابتي إياه ( وَإِذْ كَفَفْتُ ) أي منعت ( بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي اليهود ( عَنْكَ ) حين هموا بقتلك ( إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) أي بعلائم المعجزة والدلالات الواضحة ( فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) أي من اليهود « 4 » ( إِنْ هذا ) أي ما عيسى ( إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) [ 110 ] بالألف وبغيرها « 5 » ، أي ما هذا الفعل منه إلا سحر ظاهر لا يخفى على من يراه أو وصف عيسى بالسحر مبالغة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 111 ] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( 111 ) ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) أي ألهمت إليهم أو أمرتهم على لسان رسولي ( أَنْ آمِنُوا بِي ) أي صدقوا بتوحيدي ( وَبِرَسُولِي ) فلما بلغهم عيسى الرسالة ( قالُوا آمَنَّا ) باللّه وبرسوله « 6 » ( وَاشْهَدْ ) يا عيسى ( بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ) [ 111 ] أي مخلصون ، من أسلم وجهه للّه إذا أخلص دينه له . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 112 ] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 112 ) ( إِذْ قالَ ) ظرف ل « مُسْلِمُونَ » أو لمضمر ، أي اذكر وقت قال ( الْحَوارِيُّونَ ) طلبا لنفس الفعل بالاستفهام لا شكا فيه ( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) بالياء ورفع « رَبُّكَ » كقولك لرجل هل تستطيع أن تقوم معي وأنت تعلم أنه قادر على القيام معك أو « يَسْتَطِيعُ » بمعنى يطيع ، أي هل يجيبك ربك ، وبالتاء ونصب « رَبُّكَ » « 7 » ، أي هل تقدر دعاء ربك بتقدير المضاف وهو يقتضي مفعولين ، الأول « رَبُّكَ » والثاني ( أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) أي خوانا فيه طعام ( قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 112 ] أي مصدقين بالإخلاص فلا تسألوا لأنفسكم البلاء ، وقال بعضهم : في هذا القول دليل أنهم كانوا شاكين في الإيمان ، وأجيب عنه بأن الخطاب ليس متوجها على الحواريين لما روي : أن عيسى خرج إلى مفازة واتبعه خمسة آلاف أو أكثر من الناس يطلب بعضهم الدعاء لمرض أو علة من العمى والزمن أو غير ذلك ، ولم يكن معهم نفقة في ذلك ، فجاعوا فقالوا للحواريين : قولوا لعيسى حتى يدعو بأن ينزل علينا مائدة من السماء ، فقال عيسى : « قولوا لهم اتقوا اللّه إن كنتم مؤمنين » « 8 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 113 إلى 114 ] قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 ) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) ( قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) بأنك رسول اللّه ( وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ) بأنك أرسلت إلينا نبيا ( وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) [ 113 ] للّه بالوحدانية والقدرة ولك بالرسالة للدعوة إليه ، فثم قام عيسى عليه السّلام ولبس الصوف وصلى ركعتين وتضرع وبكى ، ثم ( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) داعيا ربه ( اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا
--> ( 1 ) هذا مأخوذ عن السمرقندي ، 1 / 466 . ( 2 ) ولا من نفخة بشيء ، ب س : ولا من نفخة شيء ، م . ( 3 ) أي تشفيه ، ب س : - م . ( 4 ) أي من اليهود ، م : زي اليهود ، ب س . ( 5 ) « سحر » : قرأ الأخوان وخلف بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء ، والباقون بكسر السين وحذف الألف وإسكان الحاء . البدور الزاهرة ، 98 . ( 6 ) وبرسوله ، ب م : ورسوله ، س . ( 7 ) « هل يستطيع ربك » : قرأ الكسائي بتاء الخطاب وبنصب الباء ، والباقون بياء الغيب ورفع الباء . البدور الزاهرة ، 99 . ( 8 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 467 .